( مقبرة فنان الشعب...يوسف وهبي )
اكتشافنا اليوم قبر صاحبه شخصية جميلة أحببناها جميعاً تفاعلنا معها ضحكنا معه في فيلم إشاعة حب وأرعبنا في فيلم سفير جهنم، شخصيتنا اليوم فنان الشعب يوسف وهبي الذي يقع قبره بجوار مسجده الذي يحمل إسمه والمدفون بجوار أفراد عائلته ومنهم بثينه إبنته الموضوع علي قبرها لوحة مكتوب عليها (إبنتنا بثينه أجمل فتاه في العالم).
يوسف وهبي
هو :
يوسُفُ عبد الله هديب وهبي قطب الشهير باسم " يوسف وهبي " أحد الرواد الأوائل في مجال السينما والمسرح المصرى من مواليد 14 يوليوعام 1898 في مدينة الفيوم على شاطىء بحيرة "بحر يوسف" وسمى تيمناً بإسمها حيث كان والده "عبدالله باشا وهبى" يعمل كبير مفتشى الرى بالفيوم وكان يقطن سراى تقع مباشرة على شاطىء بحر يوسف
بدأ تعليمه في كُتَّاب العسيلى بمدينة الفيوم وكان أعلى مسجد العسيلي قبل تجديده بشارع الحرية أمام "كوبرى الشيخ سالم" بمدينة الفيوم وتلقى يوسف وهبي تعليمه بالمدرسة السعيدية بالجيزة ثم بالمدرسة الزراعية بمشتهرولا يزال تراث والده موجودًا في الفيوم إذ أنه هو الذي قام بحفر (ترعة عبد الله وهبى) بالفيوم والتي حولت آلاف الأفدنة من الأراضي الصحراوية إلى أراضي زراعية كما أنشأ المسجد المعروف باسم (مسجد عبد الله بك) المطل على كوبري مرزبان بمدينة الفيوم
- شغف يوسف وهبي بالتمثيل لأول مرة في حياته عندما شاهد فرقة الفنان اللبناني سليم القرداحى في سوهاج وبدأ هوايته بإلقاء المونولوجات وأداء التمثيليات بالنادى الأهلى ثم عمل يوسف وهبى مصارعًا في (سيرك الحاج سليمان) حيث تدرب على يد بطل الشرق في المصارعة آنذاك المصارع عبد الحليم المصري
- سافر إلى إيطاليا بعد الحرب العالمية الأولى بإغراء من صديقه القديم المخرج محمد كريم وتتلمذ على يد الممثل الإيطالى كيانتونى وعاد إلى مصر سنة 1921 بعد وفاة والده حيث حصل على ميراثه عشرة آلاف جنيه ذهبي بالتساوي مع إخوانه الأربعة ثم انضم للعمل في فرقتي حسن فايق وعزيز عيد كبداية لحياته الفنية على سبيل الهواية وليس الاحتراف ولكن واجهت هذه الفِرَق السرحية العديدمن المشاكل المالية لذلك ذهب عزيز عيد مع مختار عثمان إلى يوسف وهبي في إيطاليا كمحاولة لإقناعه بالعودة إلى مصر ومتابعة المشروع الفني الذي يسعون من أجله وكان يوسف وهبي الممول الأول لهذا المشروع حيث أنه بواسطة المال الذي ورثه كان وهبي يهدف إلى ما اعتقده تخليص المسرح من الهاوية التي رآها قد نتجت من المسرح الراقص لنجيب الريحاني وعلي الكسار فأنشأ شركة مسرح باسم فرقة رمسيس في نهاية عشرينيات القرن الماضي.
فى عام 1935تحمس يوسف وهبي لفكرة إنشاء فرقة قومية مسرحية ترعاها الدولة إلى أن وافقت حكومة محمد محمود باشا على إنشاء الفرقة القومية للتمثيل وأدرجت تبعيتها لوزارة الأشغال وتناوب على إدارتها فنيا كل من يوسف وهبي وزكي طليمات.
عاش يوسف وهبى حياة الملوك وكان يفلس فيعيش حياة المفلسين وفى فترات الثروة بنى القصور وكان يسافر بدعوة من الملوك والرؤساء والأمراء ويقضى سهراته معهم وطاف العالم مع قصة حبه «سعيدة منصور» حتى إنها قالت " لوتس عبد الكريم " أقرب صديقاتها:(لقد منحنى أكثر مما أحب) وعن مغامراته النسائية قالت لها:(هو مثل كل فنان له نزوات ومعجبات ومشكلات كثيرة وكنت أتجاهل وأصفح وأنسى لأنه يعود دائما نادما مستغفرا مؤكدا لى أننى حبه الوحيد.. الشىء الوحيد الذى كان ينغص حياتى هو إدمانه لعب البوكر وسباق الخيل وخسائرة الفادحة التى بدد فيها أمواله فى أخريات حياته وكادت تفرق بيننا أكثر من مرة).
تقول لوتس عبد الكريم فى كتابها عن يوسف وهبى " يوسف وهبي: السيرة الأخرى لأسطورة المسرح” والصادر عن أخبار اليوم : إنها سافرت مع يوسف وهبى وزوجته سعيدة إلى أماكن كثيرة فى سويسرا وفرنسا ولبنان وانجلترا وذهبت معها لترى يوسف وهبى فى حلبات السباق من باب الفضول، وكان هو لا يمل من لعب القمار والرهان فى سباقات الخيل والكلاب، وكانت - مع زوجته - تراقبه وهو يخسر الجولة بعد الجولة، ثم يكسب ثم يخسر إلى أن يخسر كل ما معه ويلعب بأموال زوجته.. وفى أخريات أيامه كان لا يملك شيئا من الثروة الكبيرة التى حققها فكانت ثروة زوجته هى التى حفظت له مظهره حتى آخر يوم. وتكشف لوتس عبد الكريم سرا عن يوسف وهبى وهو أن أحدى مغامراته الغرامية كانت مع الراقصة ببا عز الدين وأنها جعلته يتعاطى الكوكايين وينفق عليها الكثير من أمواله المتبقية ووصل به الحال أن شقيقه إسماعيل خصص له مصروفا 160 قرشا كل يوم للإنفاق على بيته وزوجته سعيدة هانم منصور وحين مات فى 17 اكتوبر 1982 كان قد فقد كل ثروته.
عن قصة زواجه من عائشة فهمى الثرية ( عائشة فهمى كريمة على باشا فهمى كبير ياوران الملك فؤاد الأول) فقد بدأت عندما أوشك على الإفلاس فتدخلت هى لإنقاذ مسرح رمسيس وساعدته على النهوض من جديد والقيام بجولات عرض فيها مسرحياته فى سوريا ولبنان والأردن وفلسطين وليبيا وتونس والسودان والبرازيل والأرجنتين ثم فى باريس وكانت عائشة فهمى تصحبه فى كل هذه الرحلات وكانت متزوجة من طبيب اضطرت إلى منحه خمسين ألف جنيه - فى ذلك الزمان - وتنازلت له عن مساحة أرض كبيرة مقابل أن يطلقها لتتزوج يوسف وهبى وفى باريس تزوجا وكانت أغنى سيدة فى مصر وتكبره بستة عشر عاما وبفضلها استطاع إنشاء «مدينة رمسيس على مساحة 17 فدانا فكانت إحدى عجائب القاهرة فى ذلك الوقت عام 1932( تعود قصة " مدينة رمسيس للفنون" إلى رغبة يوسف وهبي في إقامة مشروع كبير يجمع كل الفنون في مكان واحد في مدينة كبيرة يسميها (مدينة رمسيس للفنون) تكون صرحا فنيا يضم قاعات للمسرح والسينما ومدينة للألعاب والملاهي واستديوهات تصوير ومعامل تحميض وكانت الفكرة قد سيطرت على عقله ما بين عامي 1933 و1934 وبدأ التخطيط لها لدرجة أنه كان يقضي ساعات طويلة مع كبار المهندسين الإيطاليين ليعد الخرائط والتصاميم من أجل تحقيق حلمه."
كانت فكرة إنشاء مدينة للفنون فكرة جديدة تماما في الثلاثينات فلم يسبقه إليها أحد في العالم حتى والت ديزني نفسه الذي أقام بعد ذلك مشروعا مماثلا في ولاية كاليفورنيا في الخمسينات وأصبحت أهم مدينة ملاهي في العالم (ديزني لاند).)
قال يوسف وهبى لوتس عبد الكريم عن هذه الفترة :
" إن نجاحه كان فى صعود، ثم بدأت غيرة عائشة فهمى تخنقه إلى حد مراقبة كل تحركاته وبعد أن كانت تشجعه على مواصلة نشاطه الفنى أصبحت تضيق باهتمامه بقضاء الوقت فى التأليف والتمثيل والإخراج، ويضيف: حولت حياتى إلى جحيم لا يطاق عند هذا الحد هجر قصرها على النيل فى الزمالك دون أن يحمل معه شيئا من ملابسه، ولم يكن فى جيبه غير خمسين جنيها.."
يقول يوسف وهبي فى ذلك " استمر النجاح حليفنا ثم بدأت عوامل الغيرة تتكشف في خلق السيدة عائشة زوجتي لحد مراقبة حركاتي وسكناتي وبعد أن كانت تبدي مظاهر التشجيع لفني ومسرحي انقلب الحال فأصبحت تضيق ذرعا لانعكافي علي التأليف والتمثيل والاخراج وحولت حياتي الي جحيم لا يطاق.. هجر يوسف وهبي منزل الزوجية فأرسلت اليه عائشة هانم تعرض أن يعود اليها علي أن تقتطع من أرضها الخصبة في صعيد مصر خمسمائة فدان تكتبها باسمه ورفض يوسف وهبي وقام برحلة خارج البلاد عاد بعدها ليجد أن السيدة عائشة هانم قد رفعت عليه دعوي نفقة وأوقع محاميها الحجز علي مدينة رمسيس ومازالت تلاحقه حتي استطاعت أن تشهر افلاسه."
حاولت عائشة فهمى إعادته إليها وعرضت عليه أن تمنحه 500 فدان ليعود ولكنه رفض وقام برحلة إلى الخارج وحين عاد منها وجد أن عائشة فهمى قد رفعت عليه دعوى نفقة وحصلت على حكم بمبالغ كبيرة وقام محاميها بالحجز على مدينة رمسيس وظلت تلاحقه إلى أن اشهر إفلاسه لكنه استطاع أن يبدأ نشاطه الفنى ويستعيد مجده ويسدد ديونه ويحول دار سينما بيجال فى وسط القاهرة إلى مسرح يسع ألف متفرج وعادت فرقة رمسيس من جديد وبدأت قصة الحب الرومانسية مع " سعيدة هانم منصور " وعاشا معا حياة اسطورية..( كان يوسف وهبى متزوجا من المليونيرة عائشة فهمى التى شيدت له مسرح رمسيس وصرفت أموالها عليه ولكنها كانت تخنقه بغيرتها الشديدة عليه، وقصر عائشة فهمى أصبح الآن مجمع الفنون بالزمالك المطل على النيل.. انقلبت مغامرة يوسف وهبى وسعيدة منصور إلى حب كبير حتى أنه حين طلب منها الهروب معه استجابت له فورا وقالت:«شعرت أن قوة مغناطيسية لا قبل لى بها تسيرنى وتسلبنى الإرادة والعقل حتى لم أعد أدرى ماذا أفعل وكيف أترك هؤلاء الصغار وأضحى بهم، وخرجت من البيت حتى لم آخذ معى المجوهرات والنقود.. هربت إلى بيروت حيث كان يوسف وهبى ينتظرها.. وعندئذ شعرت بأن أهلها أو أهل زوجها سيقتلوها.. وغامر يوسف وهبى وذهب إلى أهلها وقال لهم: نريد الزواج على سنة الله ورسوله وأرجوا أن تساعدونى.. وحصلت سعيدة على الطلاق كما حصل يوسف وهبى على الطلاق ولكنه كان يمر بضائقة مالية لأن طليقته أخرجته من قصرها وأخذت منه أموالها ولكن الحب جعل سعيدة تقبل أن تعيش فى غرفة فوق «جروبى» بعد أن كانت تعيش فى قصر زوجها الأول وقبله كانت فى قصر أبيها، ومع ذلك كانت تصف حياتها هذه بأنها تشعر كأنها انتقلت إلى الجنة وعرفت مع يوسف وهبى معنى السعادة التى لا تصل إلى خيال أية امرأة، وتقول: أنا معذورة، لقد رأيت عالماً من السحر لا قبل لى بمقاومته فنسيت كل شئ وعادت عائشة فهمى تعرض على سعيدة خمسين فدانا ومجوهرات ثمينة مقابل تنازلها عن يوسف وهبى لتستعيده ولكنها رفضت الفدادين والمجوهرات، ثم تغير الحال بعد ذلك وجنى يوسف وهبى ثروة من عمله فبنى القصور الأربعة، وعاش حياة البشوات مع قصة حبه التى استمرت حتى النفس الاخير.. وقصص يوسف وهبى لا تنتهى. )
تصف لوتس عبد الكريم القصور التى كان يعيش فيها مع سعيدة هانم منصور :
" إنها كانت كقصور الملوك مقامة على أرض واسعة فى الهرم محاطة بالأشجار والبوابات الضخمة، وفيها أربع فيلات.. إحداهما على الطراز الأمريكى الحديث، والثانية على الطراز الفرنسى وكل ما فيها مقتنيات أثرية وكان يوسف وهبى يقضى فيها أوقاته حين يريد أن يكون متفرغا للتأليف والإخراج، وكان يضع فيها لوحات مسرحياته، والفيلا الثالثة كانت على النظام الانجليزى القديم وهى للأسرة والزوار وما أكثرهم، أما الفيلا الرابعة فكانت للمعيشة.. وبين الفيلات الأربعة حمام سباحة كبير تظلله الأشجار والورود، وعلى البوابة الرئيسية يقف الحراس.
وتواصل لوتس عبد الكريم عن الحفلات التى كان يقيمها يوسف وهبى فى أيام مجده والموائد ممتدة بين الأشجار والمأكولات الفاخرة والشراب والخدم يتحركون بين الموائد.. وكل هذا ذهب واندثر وانتقلت الأسرة فى السنوات العشر الأخيرة من عمره إلى الفيلا الصغيرة وبقيت الزوجة فيها حتى بعد أن تم قطع الأشجار ونزع البوابة الحديدية الضخمة وأنشئ مبنى كبير من عدة طوابق ليكون فندق «جرين بلازا» وكان أحد المستثمرين قد استأجر من يوسف وهبى فى أخريات أيامه هذه الأرض لمدة تسعين عاما واستولى الفندق على الفيلا ذى الطراز الفرنسى واستغل لوحات المسرحيات الخالدة فى تجميل البار والصالون أما بقية المبانى فقد هدمت وعاش يوسف وهبى مع زوجته فى القصر الصغير ذى الطابع الأثرى وبعد وفاته ظلت الزوجة تصر على البقاء فيه رغم إلحاح الكثيرين بالانتقال إلى شقة فى عمارة تؤنس وحدتها بدلاً من الحديقة الموحشة والأشجار المقطوعة وتحولت منطقة الهرم من منطقة سكن أبناء الذوات إلى ساحات للمجارى والقمامة ومرتعا للناموس والذباب ولكن ظلت الزوجة تعيش فى هذا المكان المقفر مع ذكريات الحب والمجد والأضواء، وصور يوسف وهبى حولها فى كل مكان وفى الشرفة مقعدان تجلس هى على أحدهما ويظل الثانى شاغرا إلى أن رحلت وقد بلغت الثمانين من عمرها ولكن هذه السيدة التى عاشت حياة البذخ والفقر والحب والوحدة عاشت أيضاً مأساة فراقها لبناتها الأربع فلم ترهم إلا بعد أن مات المغازى باشا «جدهم» وابنه محمد المغازى «والدهم».. وكانت ابنتها «بثينة» الصغرى رائعة الجمال قد انتحرت فى لبنان أمام عينى الأم وزوجها فى مراحل زواجهما الأولى وتضاربت الأقوال عن أسباب انتحارها والابنة الكبرى «عايدة» كانت تعانى من انهيارات عصبية متتالية وتزوجت عدة مرات وكانت تحتجز فى مستشفيات لندن وسويسرا وتوفيت فى إحدى نوباتها العصبية والابنة الثالثة «سامية» الجميلة توفيت بعد معاناة مع السرطان، و«محاسن» الابنة الرابعة كانت متزوجة من السفير محمود حمزة ورحلت بعد أمها بقليل، أما ابنها «محمد» فكان يعيش معها وهو مصاب بشلل الأطفال..
هذا هو يوسف وهبى عميد المسرح المصرى ومؤسس أكبر وأشهر فرقة مسرحية «فرقة رمسيس» ومنشئ أول مدينة للفن «مدينة رمسيس» وأستاذ التمثيل الذى تخرج على يديه عمالقة المسرح، والذى قال عنه نجيب محفوظ إنه عرف المسرح وأحبه واحترمه عن طريق يوسف وهبى الأب الحقيقى للنهضة المسرحية الذى شهد الجميع بأنه كانت له كاريزما خاصة تجعل كل من يلقاه أسيرا لشخصيته. وكتب يوسف وهبى مذكراته ونشرها فى كتاب بعنوان «عشت ألف عام» فى خمسة أجزاء حكى فيها عن والده عبد الله باشا وهبى الذى كان مفتشا للرى، وجده الشيخ هديب قطب الذى كان قاضيا فى تونس قبل أن يهاجر إلى مصر، وجده لأمه سورى من أصول عراقية الحاج على البغدادى الذى كان يشغل منصب شيخ الإسلام فى دمشق، وجدته لأمه التى كانت تركية مسيحية أصولها من جزيرة كريت، وتحدث فيها بصراحة عن حياته ومغامراته. قصة حياة طويلة لفنان غير عادى عاش حياة غير عادية..
ويتحدث يوسف وهبى عن نفسه قائلا :
يوسف هو اسمي الحقيقي، ولدت بمدينة الفيوم بالقرب من بحر يوسف فسُميت تيمناً به، وهناك نوعين من العمر، العمر الفني والعمر الحقيقي، والانسان يفتخر بالإفصاح عن عمره الحقيقي اذا استطاع الحفاظ على مظهره في سن كبير ولا يخجل منه، لذلك فأنا ولدت في عام 1902 يوم 14 يوليو نفس يوم الاحتفال بالثورة الفرنسية.
على الرغم من انتمائي للطبقة الأرستقراطية إلا أني كنت أكره غطرسة تلك الطبقة كما أنهم أدركوا قيمة المسرح وتأثيره لذلك حاربوه، فقد رأيت للفقراء حقوق يجب المطالبة بها عن طريقه، ومع ذلك فإن أعدائي أقل في العدد من محبيني لأن الأرستقراطيين يظلوا قلة بالنسبة لجموع الشعب.
بعض الناس لا تُفضل مشاهدة المأساة وهؤلاء أعتبرهم أنانيين لأن الاشتراك في المأساة دين، فالمأساة هي الأساس لأن الفكاهة بالرغم من أهميتها فهي للتسلية ومن النادر أن تكون للعظة إلا إذا كانت انتقادية مثل مسرح موليير أو نجيب الريحاني.
في إحدى الأيام ذهب ممثل يُدعى “عمر وصفي” للإدلاء بشهادته في المحكمة وعند إعلانه عن وظيفته كفنان رفضت المحكمة الأخذ بالشهادة واعتبرته يشبه “القرداتي” ولا يمكن النظر إليه باحترام كاف، لذلك عزمت على تغيير نظرة المجتمع للممثلين وعند عودتي من إيطاليا وتكويني لفرقة رمسيس راقبت أخطاء الفرق الأخرى وعملت على تلافيها، فمثلاً ألغيت تماماً فكرة الفرق الترحيبية التي تعمل على استجداء المشاهدين للحضور، وعملت على الالتزام بمواعيد رفع الستار وإغلاق باب الدخول في الموعد المحدد وحتى ميعاد الاستراحة لإجبار الجمهور أيضاً على الالتزام.
صاحبت تلك الثورة فيما يتعلق باحترام المسرح، بعض الدعابات والمواقف الطريفة، مثل قيامي بإغلاق أبواب المسرح في أول يوم عرض في الموعد المحدد ولم يكن حضر سوى أربعة، رغم أن جميع التذاكر محجوزة لكنهم تعودوا عدم الالتزام فبدأت العرض ولم يدخل أحد آخر، مما دفع أحد الصحفيين للسخرية بعد وقوع حادث قطار قائلاً “يستحسن إننا نعين يوسف وهبي مدير عام السكة الحديد لالتزامه بمواعيده”.
في بداية عهدي بالمسرح كانت المرأة “محجبة” أي أنها تجلس في “لوج الحريم” وهو مكان بالمسرح مُغطى بستارة من الدانتيل تشاهد النساء من خلفها العرض، مما جعلني أشعر بظلم للمرأة وعدم قدرتها على الاستمتاع بالمشاهدة فوضعت ستائر كثيفة حتى تضطر لإزاحتها ومُعلقة من حلقات حتى يمكن تحريكها بسهولة، وما كان إلا وقت قصير وأصبح الرجال والنساء يتشاركون المشاهدة في نفس الأماكن.
غيرت نهاية فيلم غرام وانتقام بعد وفاة أسمهان من النهاية السعيدة إلى أن يُصاب البطل بالجنون ولا يُكمل لحنه في إشارة إلى الفيلم الذي لم يكتمل، وخُيل إليّ قبل العرض الأول للفيلم أني رأيت أسمهان وقالت لي “مبروك البكاوية” وبالفعل حضر الملك فاروق العرض ومنحني الرتبة بعده، كنت على إيمان من وجودها حولي فوضعت الورود وقلت للحضور “أسمهان تجلس في اللوج المجاور لي، قفوا واقرأوا لها الفاتحة”.
زوجتي “سعيدة منصور” هي حبي الحقيقي والوحيد الذي أدركت أني في حاجة إليه بمقدار حاجتي للحياة، فهي أثبتت ذلك بالبراهين خاصة أنها أعادت إليّ مكانتي الفنية والاجتماعية التي كنت على وشك أن أفقدها، عندما تزوجتها كان يوم إشهار إفلاسي، وقفت هذه المرأة بجانبي وجعلتني أنسى أني في محنة، وشجعتني على العمل حتى ضاعفت ما ضاع مني، المرأة التي تحب حب حقيقي هي عناية من الله.
لم أتجه للسينما هارباً أو تاركاً المسرح، إنتاجي وتمثيلي لأول فيلم ناطق وهو “أولاد الذوات” ارتبط بقصة حقيقية لرجل مصري قتل زوجته الفرنسية لخيانته فتمت مهاجمته بشدة واتهام الشرق بالهمجية، فقمت بعمل الفيلم لتوضيح حقيقة الرجل الشرقي وحقيقة استغلاله أحيانا من النساء الغربيات، والفيلم الأقرب لقلبي هو “بيومي أفندي”
يقول فى مذكراته: "النقاد كانوا يحاولون هدمى وتشويه جهدى، وإن كانت بعض الأقلام النظيفة أنصفتنى، لكن الوفاء نادر ومن أخلصوا لى يعدون على الأصابع".
قضى عمرا طويلا وظل محتفظا بلياقته الذهنية وذاكرته، ولكنه فى أواخر أيامه أصيب بالاكتئاب بسبب جحود أصدقائه وتلاميذه فلم يعد يسأل عليه منهم إلا عدد محدود جدا فكان يجلس شاردا يستمع دون أن يعلق وينظر دون أن يبدى اهتماما بشيء وأصيب فجأة باختناق فى الحنجرة فلم يعد يتحدث إلا بصعوبة وقد قال الأطباء إنها حالة نفسية، فتم نقله إلى مستشفى السلام فى المعادى ونشرت الصحف الخبر بصورة مبالغ فيها فزادت حالته سوءا وأذيع نبأ وفاته وهو حى فعاد إلى بيته ليتلقى الاتصالات التليفونية من كبار الفنانين للتعزية والبكاء على "المرحوم" فكان يقول: "طيب ما يزورونى وأنا عايش بدل ما يعيطوا علىّ وأنا ميت"
وقع يوسف بك وهبى فى الحمام ونقل إلى مستشفى "المقاولين العرب" ورافقته زوجته سعيدة وابنة أخيه "سامية وهبى" وهى زوجة المهندس عثمان أحمد عثمان مؤسس شركة المقاولون العرب وتوفى بعدها بأيام قليلة وذلك في 17 أكتوبر 1982 عن عمر ناهز 84 عاما.
صرح أبن شقيقه محمد يوسف قائلا "سافر يوسف وهبي إلى جنيف للعلاج من صعوبة النوم عام 1974 وهناك قال له الطبيب السويسري ‘إن سنين حياتك بكل تفاصيلها تفوق قدرة العقل على وقف شريط الأحداث فيستعيدها بدون إرادتك أثناء النوم فتصاب باليقظة ولا بد أنك عشت أحداثا كثيرة، فرد عليه يوسف وهبي قائلا لقد عشت ألف عام".
* * * * * * * * * *
الموضوع
(منقول)
* * * * * * * * * *
أما عن قبره فهو لا يليق بفنان بقدر يوسف وهبي و يحتاج للإهتمام فهو مهدم كما واضح في الصور.
* * * * * * * * * *
الصور من تصويرنا










تعليقات
إرسال تعليق